السبت، 13 يونيو 2009

محمد مقصيدي: تشريعات الإسلام في العصر الراهن تهين المرأة


قال الباحث والإعلامي المغربي محمد مقصيدي إن الإسلام لم يحرر المرأة، والدليل على ذلك اباحة الإسلام لاغتصاب الإماء والزواج بأربعة، وإباحة الزواج بالصغيرات وعدم مساواتها مع الرجل في الميراث بالإضافة إلى اعتبار شهادتها نصف شهادة الرجل. وعرّف مقصيدي الإسلام بأنه "علاقة الإنسان مع الله".
واعتبر مقصيدي في حوار خاص مع موقع "آفاق" أن تشريعات الإسلام في العصر الراهن "تهين كرامة المرأة بشكل كبير جدا. وأن القوانين التي يحاول تسويقها الإسلاميون والتي يأتون بها من القرون الوسطى بحجة أحكام الله الخالدة، هي اضطهاد للمرأة وتكريس لدونيتها".
وتمسك مقصيدي بقوله أن الإسلاميين يكرمون المرأة بالجلد والاغتصاب. وقال "صراحة، لا زلت لم أفهم كيف يقول الإسلاميون بتكريم المرأة، في حين يشرعون لجلدها وحثها على حب جلادها والإخلاص له، فالقرآن واضح في آية جواز ضرب الزوج لزوجته. بينما تبقى تبريرات الضرب الخفيف التي يتحدثون عنها ضحكا على الذقون".
وطالب مقصيدي برفع القداسة عن التاريخ الاسلامي ليتم البحث فيه بحرية بدل التكفير والمحاكمات التي تنتهي غالبا بقتل الباحثين أو سجنهم أو هروبهم للعيش مشردين في المنافي.
وأضاف "هذه الإكراهات هي ما يدفع بالعديدين للابتعاد عن هذا الموضوع، وهو ما ساهم طبعا في استمرار التدليس التاريخي عند الإسلام السياسي بدعم من مؤسسات الدول الإسلامية لأهداف تخدم تحالف الأنظمة الإسلامية الفاسدة والحركات الإسلامية الإرهابية، وإن اتسمت علاقتهما بالتوتر أحيانا.
وفيما يلي نص الحوار:
آفاق: لا يختلف اثنان أنك من بين أكثر الباحثين المغاربة تناولا لوضعية المرأة في المجتمع الإسلامي، هل ترى أن الإسلام أهان المرأة؟ وكيف؟ محمد مقصيدي: بموضوعية، ليس من الممكن القول أن الإسلام أهان المرأة أو كرّمها بالمقارنة مع الظرفية التاريخية للقرن السادس. فالإسلام في العمق تعامل مع المرأة بعقلية مرحلته التاريخية والجغرافية في آخر المطاف، بالرغم من استنكار بعض الممارسات كاغتصاب الإماء مثلا. إلا أنه عموما تفوّق على بعض التنظيمات والبنيات الاجتماعية السابقة والمعاصرة، لكنه أيضا كان متأخرا جدا بالمقارنة مع بعض البنيات الأخرى المتزامنة أو السابقة له بخصوص موضوع المرأة بالتحديد...
لكننا يمكننا أن نجزم بشكل قاطع من ناحية أخرى أن تشريعات الإسلام في العصر الراهن تهين كرامة المرأة بشكل كبير جدا. فالقوانين التي يحاول تسويقها الإسلاميون والتي يأتون بها من القرون الوسطى بحجة أحكام الله الخالدة، هي اضطهاد للمرأة وتكريس لدونيتها.
من هذا السياق نحاول التوضيح أن الإسلام السياسي خارج التاريخ، أما البروباغاندا التي يؤسسون عليها تكريم الإسلام للمرأة والنقلة النوعية والقطيعة التاريخية التي أحدثها الإسلام في تاريخ البشرية لصالح المرأة هي كلها أوهام وتدليس تاريخي.
وسأسوق هنا بشكل مختصر بعض هذه الأكاذيب والمغالطات التاريخية. فالخطاب القرآني هو خطاب ذكوري محض، إذ على سبيل المثال ثمة توصيفات كثيرة للحور العين بالنسبة للرجال في الجنة، بينما لم تتكلف أية جملة قرآنية بالإشارة للعلاقة الجنسية للمرأة في الجنة كما أسهبت فيها للرجل، ثمة مسألة أخرى يلوح بها الإسلام السياسي دائما وهي إنقاذ المرأة من الوأد، والوأد أولا لم يكن مقتصرا على النساء فقط، بل يتعداه إلى الذكور في حالة الإملاق بشهادة القرآن نفسه، كما أنه لم يكن عاما كما يزعم الإسلاميون، بل فقط في بعض القبائل دون غيرها، وحتى داخل القبائل، كان داخل عائلات دون غيرها، وهو ما يحاول الإسلاميون تعميمه على المنطقة العربية، بل إن الإسلام ليس كما يزعم البعض أنه هو أول من باشر النهي عن الموءودة، بل كانت حالة مستهجنة من طرف الكثيرين، ونهى عنها العشرات من الشخوص العربية قبل الإسلام كزيد بن عمرو بن نفيل، وصعصعة جد الفرزدق وغيرهم .. بل إن النبي محمد كان عاملا عند خديجة قبل الزواج منها، وهذه لوحدها فقط تؤكد مكانة المرأة قبل الإسلام.
عموما، إنني أحاول من خلال كتاباتي التطرق للمغالطات التاريخية الكثيرة التي يسوقونها بهدف تدمير البنيات السابقة للإسلام وتشويهها لكي يظهروا الإسلام بصورة المنقذ، كما نحاول من خلال التنقيب في القرآن وكتب السنة والسيرة والفقه والمصادر التاريخية كشف الجوهر الحقيقي للإسلام السياسي الذي يجعل المرأة شيئا تابعا للمجتمع الذكوري.
آفاق: لكن الإسلاميين يقولون أن المرأة تحررت بالإسلام وليس العكس، ويعطون مثالا دائما ومستمرا في وأد البنات في الجاهلية؟ محمد مقصيدي: بما أن ثمة حرية التعبير في العالم يمكن للإسلاميين أن يقولوا ما يريدون، لكن هذا لا يغير الحقائق التاريخية، المرأة لم تتحرر مطلقا بالإسلام، بل الأصح أن الإسلام ساهم في تكريس دونيتها وتخلفها والتشريع لذلك، كما كان حجر العقبة لاحقا في انعتاقها من اللاعدالة الجنسية.
أما وأد البنات فكما ذكرت سالفا لم تكن ظاهرة عامة، وليس الإسلام هو أول من نهى عن الموؤدة، بل هو لم ينقل سوى موقف المجتمع العربي العام من هذه الظاهرة الشاذة. ولكن المسلمون يحاولون تصوير الظاهرة الشاذة على أنها هي الأصل.
ولو كان ما يقولونه صحيحا، لما وجدنا مئات النساء اللواتي كان لهن شأن كبير في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام كخديجة بنت خويلد، وهند بنت عتبة، ولما وجدنا أشعار ما قبل الإسلام التي تقدس حب المرأة ومكانتها حيث تكلمت بشكل إيجابي عن مكانة المرأة أكثر مما تكلم عنها القرآن، إلا إن أرادوا طبعا التشكيك أيضا في كل أشعار ما قبل الإسلام .
كما أنه ثمة أمر واضح وجلي، فإذا كانت شبه الجزيرة العربية تقتل رضيعاتها، فمن أين أتت كل النساء التي ضجت بهن المنطقة؟ وكيف في ظل هذا الخصاص النسوي- لقتلهن - أن يتم التشريع للزواج بأربعة نساء بالإضافة إلى عشرات ملك اليمين؟؟ كل تلك الحكايات هي خرافات وبروباغندا فقط لا أقل ولا أكثر.
آفاق: يعني أن الإسلام لم يحرر المرأة؟ محمد مقصيدي: أكيد، أن الإسلام لم يحرر المرأة، وإلا ما معنى السماح باغتصاب الإماء؟ والزواج بأربعة، ونصف الميراث ونصف الشهادة ... الخ بدون الإحالة على الغيبيات والحكمة الإلهية المستحيل معرفتها والتخويف بعذاب القبور.
إن الإسلام حاول تقديم إجابات مرحلية لوضعية المرأة، لكن طبعا بعقلية القرون الوسطى التي بقي سجينا فيها، والتي هي ذكورية بامتياز. إنه حاول تجاوز بعض الظواهر، لكنه لم يختلف عن السائد. بل ارتكس في أحايين كثيرة عن حقوق اكتسبتها المرأة في مناطق مجاورة في نفس المرحلة التاريخية.
آفاق: في أحد بحوثك قلت أن الإسلاميين يكرمون المرأة بالجلد والاغتصاب. حدثني عن رؤيتك لهذه النقطة تحديدا؟ محمد مقصيدي: صراحة، لا زلت لم أفهم كيف يقول الإسلاميون بتكريم المرأة، في حين يشرعون لجلدها وحثها على حب جلادها والإخلاص له، فالقرآن واضح في آية جواز ضرب الزوج لزوجته. بينما تبقى تبريرات الضرب الخفيف التي يتحدثون عنها ضحكا على الذقون. إلا إذا كانت الجملة القرآنية تتحدث عن اللعب بين الزوج وزوجته، ولا أظن من سياقها وشروحتها أنها تفصل في اللعب، بل في إرهاب الزوج لزوجته لجعلها تطيعه وتخنع عليه. فالضرب يبقى ضربا، وإلا ما المبرر منه؟
لقد كان على الإسلام السياسي احترام إرادة المرأة، لأنه لا مجال للحب والتعايش وتكريم المرأة في بيت يرهبها فيه الزوج بالضرب. أما الاغتصاب الذي يكرم به الإسلاميين المرأة فأمره أيضا عجيب. فنكاح الإماء بدون إرادتهن هو مباح، ونكاح بنت العشر سنوات والطفلات الصغيرات هو مباح بل سنة، وعدم رغبة الزوجة في المعاشرة الجنسية للزوج يستدعي لعنة الملائكة لها. والحكم على المرأة بالسجن المؤبد في المنزل هو تكريم للمرأة... طبيعي جدا. في الإسلام السياسي احتقار المرأة يصبح تقديسا للمرأة، وجلدها واغتصابها هو تكريم لها، والسجن المؤبد لها هو حقوق المرأة في الإسلام، ونصف شهادتها ونصف ميراثها هو قمة العدالة بين الجنسين... هذا منطق الإسلام السياسي المدعوم بعذاب القبر والإرهاب بالجحيم، بالإضافة إلى الإرهاب الدنيوي بالسيف والعضلات طبعا.
آفاق: لعل الملفت للانتباه أنك تتكلم بشكل خاص عن الإسلاميين كأداة كُـرست لخدمة أفكار معينة ليست بالضرورة قريبة من الإسلام نفسه. ما رأيك؟ محمد مقصيدي: ثمة نقاط التقاء واختلاف بين الإسلام والإسلام السياسي، كما ثمة اختلاف بين الإسلاميين والمسلمين. الإسلام في نظري هو شيء متعدد ولا يمكن لأحد أن يقول هكذا هو الإسلام. فثمة إسلام معاوية، وإسلام الحلاج، وإسلام الوهابيين، وإسلام إبن عربي .. ومن تم لا يمكن الحكم عن الإسلام بالإرهاب لأنه ليس نمطي أو ثابت. بل في القرآن نفسه جملة تقول أن الإسلام هو ملة إبراهيم وهو أول من سمى أتباعه بالمسلمين. ثم ما معنى الإسلام؟ حيث نورد هنا منطوق الجملة القرآنية التي تهاجم الأعراب وتنفي عنهم الإيمان، وتقول لهم أن ثمة فرق كبير بين المسلمين والمؤمنين.
لا أريد الدخول في التفاصيل، لكن الإسلام عموما هو علاقة الإنسان مع الله ولا يمكن أن توصف بالإرهاب بشكل ميكانيكي، لكن الإسلام عندما ينتقل إلى علاقة الإنسان بالإنسان باسم الله يصبح إسلاما سياسيا بقوة الواقع، ويأخذ مساره عموديا نحو الإرهاب.
إن تعريف الإسلام هو شخصي ومتطور، بينما الإسلام السياسي يهدف إلى إلغاء الآخر وهو بالضرورة إقصائي وإرهابي. إن تعريف الإسلام المؤسساتي هو الإسلام السياسي .
آفاق: ألا يمكن القول أن الإسلام منح للمرأة حقوق سرقها منها الإسلاميون المتطرفون؟ محمد مقصيدي: لا، ليس صحيحا. الإسلام هو علاقة الإنسان مع الله. ولا يمكنه أن يدخل في علاقة الإنسان مع الإنسان بشكل قطعي وتوجيهي.
الإسلام كتنظيم اجتماعي أو سياسي أو قانوني هو بالضرورة إسلام سياسي. وإعادة إنتاج البنيات الاجتماعية والتنظيمية للقرون الوسطى باسم الإسلام هو أمر سوريالي ويسيء للمرأة وللإسلام بشكل مستفز كثيرا.
أما الحديث عن ما قدمه الإسلام للمرأة من طفرة نوعية في العلاقات هو تدليس تاريخي ليس إلا كما أشرنا. فالدين مسألة روحية، أما القوانين والحقوق والواجبات فهي تخضع للعقل وليس للغيبيات والخرافات.
آفاق: على الرغم من كل الأخطاء التي ارتكبتها التيارات الإسلامية على مدى التاريخ، وبرغم الجدال المطروح حول علاقة الدين بالسياسة فإن وصول الإسلاميين إلى السلطة يبدو دائما بنفس الأطروحة التي تستمد قوتها من القاعدة الشعبية. كيف ترى ذلك؟ محمد مقصيدي: ثمة قصور كبير في العالم الإسلامي في فهم الديمقراطية. إن الديمقراطية التي يعرفونها بسلطة الشعب، وهي الترجمة الحرفية باليونانية، هي مفهوم ظهر قبل الإسلام بقرون كثيرة. والديمقراطية عرفت تطورات تاريخية مع تطور الفكر البشري، ولم تبقى جامدة مثل الدين الإسلامي وذلك بفضل تطور الفكر البشري السياسي. فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية بدون الحديث عن الاختلاف، وحق تأسيس أحزاب معارضة وحقوق الإنسان ...
إن الإسلام السياسي لا يريد من الديمقراطية إلا صناديق الاقتراع لأنه يعيش خارج التاريخ. لا يمكن السماح في العالم بإقامة نظام نازي أو فاشي بحجة أنها نتائج الانتخابات. وهو ما يحصل مع الحركات الإسلامية. يريدون تدمير الديمقراطية وحقوق الإنسان بدعوى أنهم وصلوا إلى الحكم باسم الديمقراطية. لا يمكن السماح لهم باستعمال الديمقراطية والتحجج بها لتدمير الديمقراطية. فمن يريد ممارسة الديمقراطية عليه الإيمان أولا بالمبادئ الأساسية للديمقراطية باحترام الإنسان وحرية العقيدة والحريات الشخصية بصفة عامة والسماح بحرية التعبير عن الرأي المعارض بكل حرية. إنهم ديكتاتوريون بكل بساطة وإرهابيون، أما حجة الشرعية الشعبية لكونهم ديمقراطيين فهي تبريرات مضحكة.
آفاق: منذ أسابيع أثير جدالا واسعا بسبب تناولك لموضوع صحيح البخاري الذي يظل موسوعة إسلامية مقدسة، ما الذي حاولت الوصول إليه في بحثك حول الأحاديث التي جاءت في صحيح البخاري؟ محمد مقصيدي: إن صحيح البخاري ليس صحيحا. وهو يسيء إلى الإسلام السياسي والإسلام . لأن ما يتضمنه من خرافات يجعله كتابا يشبه خرافات ألف ليلة وليلة. حاولت أن أقول أن صحة البخاري هي فقط مسنودة بالسلطة السياسية والإرهاب. أما تناقضات الأحاديث التي يتضمنها فيجعل أي شخص مسلم عاقل يرتد عن الإسلام مباشرة بعد قراءته المتأنية للبخاري إن سلم بصحته. ثمة نقطة أخرى أردت الإشارة إليها، وهي ضرورة استعمال العقل بدل الركون إلى مسلمات وشروحات وتأويلات الإرهابيين. لقد حان الوقت ليستأنس المسلمون بالعقل.
آفاق: نفس الجدال أثير حول ما قاله الدكتور "مصطفى بوهندي" بالتشكيك في مصداقية أبي هريرة، هل تعتبر أن مشكلة التأريخ الإسلامي في أنه لم يتم تناوله بالنقاش والتشريح بسبب هالة القداسة التي يتوشحها؟ محمد مقصيدي: التاريخ الإسلامي مكتوب بصوت واحد. وحتى صوته الواحد لم يسلم من تناقضات صارخة، ويكفي الإطلالة على أربعة مصادر إسلامية تاريخية أو فقهية بشكل عشوائي ليتضح للشخص حجم الكوارث النظرية والعملية والتناقضات التي يحتويها. إن المؤسسات الإرهابية مثل الأزهر أو القرويين أو هيئات الإفتاء التي تضع الخطوط الحمراء على التاريخ الإسلامي تساهم في تخلف الإسلام. يجب أن ترفع القداسة عن التاريخ ليتم البحث فيه بحرية بدل التكفير والمحاكمات التي تنتهي غالبا بقتل الباحثين أو سجنهم أو هروبهم للعيش مشردين في المنافي.
هذه الإكراهات هي ما يدفع بالعديدين للابتعاد عن هذا الموضوع، وهو ما ساهم طبعا في استمرار التدليس التاريخي عند الإسلام السياسي بدعم من مؤسسات الدول الإسلامية لأهداف تخدم تحالف الأنظمة الإسلامية الفاسدة والحركات الإسلامية الإرهابية، وإن اتسمت علاقتهما بالتوتر أحيانا.
آفاق: أين يكمن الخلل في نظرك إذا؟ محمد مقصيدي: يكمن الخلل في الديكتاتورية ، في الإرهاب ، في سيادة الصوت الواحد، في عدم احترام حقوق الإنسان ... يكمن في المشاكل الجوهرية التي تعاني منها شعوب الدول الإسلامية منذ الإسلام إلى اليوم. إن الصلب والتعذيب وقتل المعارضين واغتيالهم ومحو العقل هو ما يسند أكاذيب الإسلام السياسي وتاريخه المزور. إن الخلل يكمن في الإرهاب المادي والمعنوي الذي يدافع أن تعيش الدول الإسلامية في كهوف القرون الوسطى إلى الأبد.
آفاق: بعض الأطروحات تكلمت أن انتشار الفكر الشيعي في المغرب سببه الفكر السني الوهابي، هل ترى أن الفكر الشيعي أكثر مدنية من السني؟ محمد مقصيدي: ليس في القنافذ أملس. الفكر الشيعي لا يختلف عن الفكر السني لأنهما يتأسسان على نفس الأرضية الإرهابية الإقصائية التي تريد أن تمارس الحكم باسم الله. إن كل الحكومات باسم الإسلام بالضرورة إرهابية وتغذي الإرهاب. وكل الحركات الإسلامية أو الأحزاب الإسلامية مهما حاولت تنميق صورتها هي إرهابية وتمارس الإقصاء بشكل جلي، رغم اعتماد بعضها على مفهوم التقية. فالمغرب إن أراد انتشار المدنية والتحضر فعلا، عليه أن يعلن علمانية الدولة التي تضمن حرية الدين والاعتقاد والتعبير، وأن تبنى الدولة على احترام الديانات وأن يتم التشريع من خلال تراكمات الفكر البشري الحضاري وليس من داخل بنية دينية استنفدت شروط وجودها.
عموما، إن انتشار الفكر الشيعي يمكن القول أنه انبهار بالثورة الإسلامية الخمينية انطلاقا من معاداة الغرب والجهاد ... الغريب أن الإسلام السني الوهابي هو من يغذي هذا العنف والإرهاب من خلال مؤسساته كوزارات التعليم والإعلام و..و..و..إنه بشكل قطعي، الإرهاب الوهابي يساوي تماما الإرهاب الشيعي.
آفاق: هنالك أيضا ظاهرة التطرف الذي انتشر بين الشباب المسلم في أوروبا، في دول جنوب أوروبا على سبيل المثال. هل تعتقد أن ذلك سببه النظرة الدونية للمجتمع الغربي إزاء الإنسان المسلم أم هنالك أسباب أخرى؟ محمد مقصيدي: أعتقد أن النظرة الدونية من طرف الغرب بالنسبة للمسلمين هي المحرك الأساسي للإرهاب. وإن تكن ثمة بعض الحالات المنفردة القليلة جدا، ولكنها في نفس الوقت حتى وإن وجدت لا تكون إلا عاملا ضعيفا لانتشار التطرف. ثمة تداخلات كثيرة وأسباب متعددة ومتشابكة، لكنني أرى أن الإسلام بشكله الحالي هو السبب الأول والحقيقي لانتشار الإرهاب.
إن الإرهاب يتواجد في بنية الإسلام السياسي نفسه. إن المهاجرين الذين عاشوا لسنوات طويلة في العالم الإسلامي لا أستغرب تطرفهم. لأن دولهم تكفلت بزرع الحقد اتجاه الآخر وتغذية التطرف لديهم. بداية من الساعات الكثيرة في مدارسها لتدريسهم أصول التربية الإسلامية. ويمكننا أن نتصور الشتائم المتتالية لليهود والكفار عبر الجمل القرآنية والإسهاب في إضافة شتائم أخرى من السنة لشرح تلك الشتائم القرآنية.
يمكننا تصور حجم الحقد والتطرف والإرهاب بتلقين آيات الجهاد والقتل والذهاب المباشر للجنة بعد الشهادة. وكيف تتحدث الدول الإسلامية عن افتخارها حتى اليوم بالفتوحات الإسلامية وتدافع عن سبي النساء والسرقات باسم الجهاد. فإن كانت هذه هي مواقف الدول المعتدلة التي تربطها روابط عالمية مع الغرب، فما هي مواقف من تلقنه هذه الدول خرافات ضرورة الجهاد وأن الإسلام يجب أن يشمل كل العالم ، وقتل المرتد والكافر ...
إنني أفهم هؤلاء القادمين من العالم الإسلامي ، ورغبتهم الملحة في الذهاب إلى الجنة عبر الشهادة، خاصة إن تضافرت أحيانا العوامل الاقتصادية السيئة .. أما بالنسبة للمسلمين الغربيين أو من ولودوا في الغرب، فالسبب الرئيسي هو بنية الإسلام الحالي المؤسساتي من ناحية، بالإضافة إلى بعض المشاكل الدولية أو الإحساس باللاعدالة الاجتماعية أو البحث عن عوالم جديدة ... ثمة تداخلات كثيرة ، لكن الأساسي والجوهر دائما هو طبيعة الإسلام الذي تروج له المؤسسات والدول الإسلامية، هذا دون تغييب الأمية والجهل ومكانة العقل الثانوية عند المسلمين ...
آفاق: ما الذي يجعل في نظرك شاب درس في أوروبا وتربى هناك يتحول إلى إسلامي متطرف مستعد لتفجير نفسه في أحد الأسواق كما حدث مع شباب ألمان من أصول مغاربية نشروا تهديدات عبر اليوتيب ضد ألمانيا؟ محمد مقصيدي: لقد أشرت إلى الموضوع بشكل عام سابقا. لكنني سأحاول التركيز في هذه النقطة عن بعض الأسباب التي تدفع بالشباب أو حتى الشيوخ أحيانا للتطرف والاستعداد للقتل والإرهاب، أعود وأقول إن الإسلام الحالي بالشكل الذي تروج له الدول الإسلامية وتدعمه لا يمكن إلا أن يؤدي إلى الإرهاب، فهذا في نظري سبب كافي للإرهاب حتى ولو غابت كل الأسباب الأخرى.
لذلك على المسلمين إعادة قراءة القرآن بشكل مختلف تماما، وأن يحاولوا بناء الإسلام بشكل يساير العصر. وعلى الدول الإسلامية أن تلعب دورها الإيجابي في المسألة. ثم نأتي للأسباب الأخرى السيكولوجية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية و..و.. فمثلا بعض الأخطاء التي ترتكبها إسرائيل في مواجهة الحركة الإرهابية حماس تؤدي إلى تأجيج العنف وتغذية الفكر الإرهابي كما حدث في الحرب الأخيرة. إن جهات ومؤسسات كثيرة في العالم تنتظر مثل هذه الهدايا لتصوير الغرب بعدو الإسلام وبأن إسرائيل دولة إرهابية وأن الكل يريد قتل المسلمين ..
من هنا، وبالإحساس باللاعدالة الدولية يبدأ الإيمان بالفكر الإرهابي والتفكير فيه بقوة. وأظن حقا، أن تأسيس دولة فلسطينية تعيش بتعايش وجوار مع إسرائيل سيشكل ضربة قاصمة للفكر الإرهابي في العالم، رغم أنه لن ينهيه، فنهاية الفكر الإرهابي لن يتوقف إلا بإعادة صياغة الإسلام بشكل يحترم حقوق الإنسان وما وصل إليه الفكر الحضاري.
أما الأحلام بالبطولة التاريخية والدوافع السيكولوجية الأخرى، إلى جانب عدم الرضا بنمط الحياة والمشاكل الاقتصادية يشكل حوافز للذهاب السريع إلى الجنة ما دام الله في الإسلام يكافئ على الإرهاب بالحور العين والحياة الرغدة الخالدة ...

الأحد، 24 مايو 2009

الرده وجاهلية العرب

ساد خطاب عربي إبان تاسيس الاسلام بعد وفاه مؤسسه بان حال العرب اصبح مختلفا . فلو عبرنا عن هذا الموقف بكلمات عصرنا الحالي في ضوء ما يسمي رده عن الاسلام - لقلنا ان العرب اعتبروا انفسهم تقدميين لمجرد نطق الشهادة واقامة فروض وشعائر وطقوس الاسلام مقارنة بحالهم قبل الاسلام وان وصف حالهم قبله بالتخلف لا يخالف حقيقة قناعتهم واطلاقهم صفة الجاهلية عليهم. لفظ التقدم بعد الشهاده يستدعي بالضرورة نقيضه وهو التراجع او الارتداد لو ان هناك عربيا مسلما عاد الي دينه القديم وعقيدته لما قبل الاسلام. فإذا كان الاسلام وقتذاك تقدما فان العوده الي دين سابق عليه هو نكوص اي ارتداد. فحرص العرب علي الاسلام إذن وكما تشهد به خطاباتهم وخطبهم مرئية ومسموعة ومقروءه هو حرص علي التقدم قناعة منهم بما تم في لحظة تاريخية منذ اكثر من 1400 عام. فهل ظل مفهوم التقدم ثابتا لم يتغير طوال هذه الفترة؟

الامر وعلي مدي اكثر من الف عام يحتاج الي مراجعه شاملة لان فكرة التقدم في حد ذاتها هي نسبية من زمن الي زمن ومن عصر الي عصر ونموذجها الانتقال من زمن العبودية وامتلاك البشر الي زمن الاقطاع، فبدلا من اسناد العمل لصاحبه كمالك لاخيه الانسان الي مفهوم الزراعة والارض وحق الارتباط بها. فالراسمالية وعصر الصناعة حاليا اكثر تقدما من نمطي الانتاج السابقين حيث الحرية في العمل واختيار الدين بل ومعارضة الامير والحاكم ايضا. فهل مازالت فكرة التقدم القديمة صالحة وهي مقرونة بالدين والانحباس في تصور واحد لعالم الغيب مع طاعة اولي الامر ، ام ان هناك متغيرات أخري جعلت الحال غير الحال، خاصة وان العبودية كعورة للانسانية ومعها فقه العبيد لازالا قائمين اسلاميا. اما الارض فان القول بان الاسلام وطن يخالف ما اتفقت البشريه جميعها عليه ؟
ففي ظل الموروث العربي الاسلامي بات مفهوم الجاهلية من عدمها او التخلف والتقدم مقرونا فقط بالدين او الانصياع لاله دون معبود آخر وهو اختزال شديد ومخل لمفهوم التقدم قديما وحديثا لم يكن الايمان يوما برهانا عليها. إضافة الي اننا اصبحنا في حاجة ملحة الي اعاده قراءة تاريخ الاسلام وخاصة فترتية المكية والمدينية بعقول أخري ومن زوايا رصد ختلفة وبمناهج بحثية اكثر رقيا مما نقله العرب الينا بطريقة العنعنة حيث ينبغي التصديق كلما زادت ثقتهم في هؤلاء الرواه حتي ولو تحدثوا احاديث تعج بالخرافة والخزعبلات.

ولنعد لفترة نحت الالفاظ التي صاحبت الفقه الاسلامي واهمها ما اطلق عليه حد الرده. فموروث العرب علي مدي فترة العمل بما ياتيهم من قائدهم من نصوص قرآنية لا يوجد بها ما يمكن ان يعتبر تشريع أو حكم علي ما يسمي رده. بل ان ذات النص القرآني يترك حق الايمان او الارتداد عنه لحرية الاختيار الفردي ولا سلطة لاحد عليه من اي نوع. ويقال في كتب السيرة ان احدي زوجات النبي من اللاتي لم يدخل بهن ارتدت وتزوجت بعد وفاه النبي فافتي ابو بكر بقتلها اثناء ولايته لكن ابن الخطاب اثناه عن ذلك وقال انها ليست من زوجاته لانه لم يدخل بها، فتركوها لتتزوج باحد المشركين. فابو بكر كان الوحيد الحريص علي محاربة من اعتبرهم هو في عرفه مرتدين إما بسبب اتخاذهم الهة من دون آلهه الاسلام أو بسبب جباية الاموال، حيث قال فيمن منع الزكاه عنه بعد توليه ولاية المسلمين "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لجاهدتهم عليه". فكثير من القبائل التي اعتنقت الاسلام منذ فترة وجيزة وعلي نحو ظاهر، هذه القبائل اعتبرت وعلي عادات ذلك العصر ان ولائها للدين الجديد وكانه ولاء خاص لشخص النبي ويحق لهم بعد وفاته ان تسترد حريتها التقليدية. لكن الامر كان علي عكس مفاهيمهم القبلية الموروثة لان مسالة امتداد الولاء علي مساحات واسعة من اليمن جنوبا الي الشمال وحتي تبوك جعل الاحساس بان هناك امبراطورية جديدة نشات علي اساس العقيدة ولا شئ آخر سواها. فان يتم الخيار ثانية للعقيده معناه عودة للتشرزم القبلي الذي كان قبل ذلك. لهذا ولضمان الامساك بعنان كل هذه القبائل فان عمر ابن الخطاب لفت نظرهم الي المكاسب التي تنتظرهم من جراء بقائهم في ذمة الاسلام وعدم الرده الي سابق عقائدهم بان حشد منهم المقاتلين لغزو ما هو خارج جزيرة العرب باسم الفتح فتغيرت مصادر دخل سكان مكة والحجاز من جباية الداخل لتتحول الي الجباية من الخارج. لهذا اصبحت الردة معني ودلالة هي اخطر ما يفت في مصادر الثروة ومعاش الناس في جزيرتهم، فالمرتد لن تكون له حجج لغزو باقي الامصار وفرض الاتاوة عليهم.
وهناك رواية اخري تخص عبد الله ابن سعد والذي قيل بانه كاتب الوحي. روت كتب السيرة انه كان يكتب ما يمليه عليه النبي. وغفي النبي مرة وراح في نومه فاكمل الرجل الكتابة من عندياته. فلما تيقظ النبي ساله عما كتب فقرأ ما كتبه هو وليس ما كان يمليه النبي. فصدق النبي علي اقواله وقال هكذا حدثني جبريل. بعدها عاد الرجل لمسقط راسه مكه واتخذ الهة مكة بديلا عن الاسلام. فلما فتحت مكة صدرت اوامر بقتل عدد من اهلها ومنهم علي وجه الخصوص عبد الله ابن سعد هذا حتي ولو تعلق باستار الكعبة. وقام عثمان ابن عفان – اخاه في الرضاعة - بدور الوسيط لانقاذ رقبة الرجل من الحكم عليه رغم حرص النبي علي قتله كما جاء في سيرة ابن هشام ج 4.
وجاء في مواقع اخري انه عبدالله بن أبى السرح. وكان عبدالله أخا فى الرضاعة لـ«عثمان بن عفان» صاحب رسول الله, وكان قد أسلم بمكة، وهو أحد القلائل من المكيين الذين كانوا يخطون بيمينهم ويعرفون الكتابة فاتخذه النبى كاتبا للوحى، ولكنه بعد فترة أدعى أنه هو الذى كان يلقن النبى الوحى وقال إنه يأتيه مثلما يأتى «محمداً» وعاد أدراجه مرتدا لمعسكر الشرك ولم يكتف بل ظل بعدها طاعنا فى النبوة مستهزءا بالقرآن حتي بعد ولايته لمصر زمن عثمان.

لم يقف الفقهاء ودعاة التكفير طوال التاريخ عند هذه الواقعة ليناقشوا موقف الرجل بل اتخذوا من حجة الامر بقتله مبررا للقتل بشكل عام كلما كان لاحد الحجة في اختيار دين آخر غير الاسلام حتي ولو برهن عل حججه ودعاوية. ففي ضوء هذا الارتباك الحاصل في مفاهيم الاسلام وتفاسير احداثه عن الردة رغم غيابها الصريح في القرآن فان القتل تحت مسمي الرده يجعل طرح السؤال الاهم وربما الذي تاخر طرحه لاكثر من الف عام هو : هل الاسلام جبر ام اختيار؟ بل ويطرح أيضا علاقة السنة ثاني المصادر الاسلامية بعد القرآن بالسلوك الجاهلي من استباحة للقتل لاتفه الاسباب.

كان استخدام ابو بكر للفظ "لجاهدتهم" يلقي بضوء علي مفهوم ومعني الجهاد في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الاسلام اثناء نحت وتشكيل مفرداته اللغوية ودلالتها وكيف تعمل في باطن العقل المسلم قبل ظاهريته. فلفظ "جاهدتهم" في تلك الفترة لا معني لها الا " حاربتهم" او قاتلتهم" وهو بالضبط ما حدث طوال فترة ولاية ابو بكر القصيرة. ففي حوار بين الرجلين حول شن الحرب علي من اصبحوا مرتدين جاء في كتب السيرة: وقال عمر لأبي بكر:- كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله: أَمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال أبو بكر : والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً لقاتلتهم عليه.

وهنا نكتشف عده امور اولها سن تشريع الحرب علي مسلمين ليس له في القرآن من اصل ولا في زمن النبي من جذور، إنما رفع السلاح ضد من ليس مسلما. وهو مخالف ومختلف عما كان سائدا وقتها في بلاد كثيرة ومخالف ايضا لما انجزه تطور البشرية من حقوق مدنية وسياسية واجتماعية. فالجهاد تكرر لفظا في القرآن مرات عديدة ولم يكن لابو بكر ان يستخدم شيئا خارج ما ترسخ في عقول المسلمين الاوائل بعد تلقيهم كلمات القرآن قولا وفعلا. لهذا اطاعه المسلمون واصطفوا ورائه في حروب ضد من امتنع عن دفع الزكاه (اي ضد من اضعف مصادر الدخل العام للجماعة) طبقا لمفهوم ودلالة لفظ الجهاد التي ترسخت زمن تاسيس الاسلام قبل وفاه نبيه. فلو ان للجهاد معني آخر خارج مفهوم الحرب ومفهوم ابو بكر له لحدثنا التاريخ عن خلافات بين المسلمين في موقفهم من تلك الحرب ومن حروب الاسلام ايضا في فترة استضافة يثرب للمسلمين. أما وان ينصاع الجميع وراء ابو بكر فلا معني للجهاد كنص قرآني او سياسي او من ادبيات ذلك العصر سوي اعلان الحرب والخروج للقتال حتي ولو كان الضحية مسلمين. ويصبح تاريخ الاسلام في الفترة المدينية بعد الهجرة مرورا بزمن الخلافة هي الجهاد اي الحرب بشكل دائم. هكذا مد ابو بكر الاستخدام الجهادي في الحياه لما بعد الاسلام بمعني الحرب والقتال فاصبح هو المعني الوحيد المستخدم طوال زمن غزوات العرب للاوطان خارج جزيرة العرب - تحت إمرة ابن الخطاب - باعتبار ان اهلها ليسوا مسلمين وواجب جهادهم. فدخول الاسلام إذن لكل هذه البلاد ليس سوي نتائج مكررة لدلالات الجهاد في الاسلام. وربما لهذا السبب يقال كثيرا ان الاسلام انتشر بالسيف وليس بالقناعة والحوار.
لكن الرده وتشريعها المعروف بالقتل لمن ارتد بعد استتابته لها اسباب اخري تضاف ولا تنتقص لكل ما سبق وليست بعيده عن مفاهيم القتال وتجييش الناس وتعبئتهم. فمعناها يكمن في موقف مضاد للولاء حربا وسلما مع الجماعة الاسلامية التي تصب في بعديها الاقتصادي والسياسي في نفس الوقت.
فاي ارتداد عن الاسلام يضع صاحبه خارج سرب المسلمين، ولان المسلمين في ذاك العصر هم المجاهدين اي المحاربين فان الارتداد لا يعني سوي انتقاص من عدد المقاتلين مما يؤثر علي نتائج معارك ذلك الزمان الني لم يكن للنوع تحديد نتائجها انما الحشد والتعداد والكثرة. وفي مجال العقيده فان للمرتد اسبابه ومسبباته وهو ما سيفتح نقاشا عن اسباب ذلك الفعل ويخرج لنا حوارا عن اسباب رفض الاسلام من قبل المرتد وربما يفتح بابا لمزيد من قناعات الارتداد او التشكيك في قناعات الايمان بالاسلام وهو ما يمثل خطرا علي الدين الجديد. أما من الناحية الاقتصادية فهي اضعاف لاحد مصادر الدخل من مسلم داخل المنظومة الاسلامية اما بحرمان المسلمين من التعامل معه واما بخسرانه كقوة قتال واحراز ثروات من خارج جماعة المسلمين وعلي حساب من هم اهل كتاب او من ممن لا دين لهم وواجب الجهاد ضدهم. الرده إذن كانت من الخطورة بمكان فاستوجبت اقولا من فقهاء وفتاوي من مشايخ وعمائم الاسلام يمكن ايجاز بعضها مما جاء في تصدير كتاب الدكتورة "آمال قرامي" بعنوان " قضية الرده في الفكر الاسلامي الحديث" بما نصه:

· المرتد لا يقبل منه الا الرجوع الي الدين الذي خرج منه، ولا بد من الاسلام او السيف ...... ابن حزم
· المرتد يقتل لكفره بعد ايمانه وان لم يكن محاربا ...... ابن تيمية
· المرتد قتله بضرب العنق وقيل بالخشب ويضرب حتي يصلي او يموت. قيل ويسوي عليه التراب فلا يعرف قبره ويدفن مع المسلمين .... المرتضي
· اما في الفكر الحديث فسنكتفي بقول عبد القادر عوده رغم كثرة الفتاوي " الرده جريمة يعاقب علبها بالقتل حدا طبقا لنصوص الشريعة الاسلامية"

فالارتداد وقتذاك ليس سوي كسر لشوكة المسلمين بالفاظ ودلالات ذلك العصر عقائديا وعسكريا واقتصاديا. لهذا فان كل الاحاديث عن ديموقراطية الاسلام او ان عصور الاسلام الاولي كانت ديموقراطية، بما فيها اقوال مثل من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، هي مجرد تحصيل حاصل فواقع الحال ومتطلباته من جهاد اي حرب ومعها البرجمانية العربية ومنهجها النفعي اصدق انباءا من الكتب. لهذا جاءت اقوال وفتاوي ذلك الزمان غاية في العنف واللاديموقراطية. ولن نضيع وقتا في كتب التاريخ لاثبات الطرح السابق واستدعاء شهادات وفتاوي تاريخية انما يكفي قول ابو بكر اول الخلفاء.

ولم تظهر مفاهيم اخري مختلفة متسامحة لا تقر بالقتل او تجريم فكرة الارتداد من خارج وداخل النسق الاسلامي الا بعد مرور ازمنة طويلة اتت ايضا في مقدمة كتاب " قضية الرده في الفكر الاسلامي الحديث". ومن هؤلاء مشايخ ازهريين مثل الشيخ عبد المتعال الصعيدي مثالا وليس حصرا. فان تصدر اقوال لا تقر بقتل من اختار دينه بعد ان كان مسلما من ثقافات وحضارات خارج بلاد العرب عامة والمسلمين منهم خاصة هو امر طبيعي لاختلاف التاسيس الثقافي والحضاري لهم. لكن ان يظهر من بين ظهراني المسلمين فتاوي واقوال بعدم الاعتداد بما يسمي حد الرده او المحاكمة الدينية لمن اختار دينا مخالفا بعد ان كان مسلما فهذا امر يجب الوقوف عنده قليلا لفهم ما جري علي ارض الواقع من تغيرات استلزمت مواقف جديد تخالف ما قيل يوما انه تشريع اسلامي له قدسية وحكم من احكام الاسلام.
فهناك اوطان كثيرة اقتحمها المسلمون الاوائل لنشر الدين وتحصيل الجزية منها لتصديرها الي بلاد العرب، وهي مجتمعات لا تحشد لنشر الاسلام ولا يهمها أمر العقيده داخل جمجمة الفرد طالما هو منخرط بامانة وشرف في اطر العمل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي مع ارتباطه بالارض كمعيار اولي ثابت لا يتبدل وليس الدين الذي تبدل كثيرا صعودا وهبوطا من ذات المصدر السماوي. بمعني ان الوعي التاريخي والحضاري لهذه المجتمعات ومناط الدخل ومصادر ثروتها ليست رهنا لعقيدة او ولاء ديني او عسكري. فهي تختلف إذن في اسسها وعلاقاتها الاجتماعية عما كان لدي ابن الخطاب وابو بكر وكل من اتي بعدهم للحكم بذات القيم.

لهذا السبب علي وجه التحديد نجد ان الانتشار الحديث لمفهوم الردة وحكم القتل للمرتد منوط الي انتشار افكارا من ذات المكان القديم الذي احتضن ابو بكر وعمر لكن هذه المرة برعاية اموال النفط يحملها مشايخ العنف. متناسين ان التغيرات والتبدلات التي اطاحت بمفهوم الرده طوال عصور الانفتاح علي المجتمعات الاكثر تقدما وتحضرا في العصر الحديث هي ذاتها ما تاسست عليه مجتمعات الخليج الحالية. فالنفط وعوائده نقلت مجتمعات العرب الاقحاح من فقر الي ثراء دون اي جهد من اصحابها اللهم الا التصريح بالتنقيب عنه من قبل من افلتوا من دفع الجزية في اوروبا وتابعتها الحضارية كالولايات المتحده الامريكية. فمصادر الدخل للعرب الان لم تعد الجباية من خارج اوطانهم ومع ذلك ظلوا يرددون نفس القيم التي تاسست خطأ باعتبارها اسلامية. لقد توقف الاندفاع الاسلامي قديما عند مدينة بواتييه وزمن معركة بلاط الشهداء. فلو حدث العكس وقتها ولم يخرج العرب من الاندلس لما ظهر كولومبس ولما بزغت امريكا كقوة معرفية غيرت وجه العالم علميا وتكنولوجيا بما فيها بلاد العرب التعسة التي لازالت تفتش في الرؤوس بحثا عن اسم الاله القابع بداخلها بهدف اقتلاعه واقتلاعها ايضا.

حديثا ارتكنت الفتاوي التي تقر بحرية الخيار الديني وتنحاز لموقف انساني متحضر وحديث مع تطور البشرية. ولم يكن ممكنا النظر مجددا في كثير من الفتاوي القديمة الا بسبب التماس مع ثقافات اكثر استنارة وتثق بقدرة الفرد علي الاعتداد بقناعاته الدينية والقدرة علي الدفاع عنها دون خوف أو رهبة من عقاب وضعت تشريعاته في زمن الحروب من علي ظهور الدواب والابل. فلم يعد الكم والحشد بقدر الاستطاعة من الخيل المسومة والابل او الاعداد بقدر الاستطاعة من قوة ومن رباط الخيل لارهاب عدو الله وعدوهم قائما لان الكيف وليس الكم اصبحت له الكلمة العليا في تحديد النتائج ولعل هزيمة يونيو 67 وما تلاها كاف لاثبات تحولات الحرب. فالجيوش الحديثة لها ولاءات غير دينية وجنودها ينتمون لنحل واديان وعقائد كثيرة. سبب آخر جعل من نجاح الديموقرطية في اوطان كثيرة ان تقلصت وتراجعت مفاهيم الجبر وحل محلها مفاهيم الاختيار والاختلاف بما يفرضه من تشريعات تعتبر الجبر هو اعتداء علي حقوق طبيعية هي معطي منذ الازل ولم تعطلها سوي ظروف تاريخية وتشريعت دينية ارتهنت الي قوي خارج الكون لا تعمل الطبيعة الانسانية علي تنمية افكارها او تزودها بما يحقق انسانية الفرد. إضافة الي ان الولاء للعقيده لم يعد مصدرا من مصادر جلب الثروة كما كان هو الحال زمن انتشار الاسلام وهو فارق هام وحاسم جعل من الديموقراطية النابعة من حق العمل والانتاج حقا طبيعيا للفرد.
وللامانة فحاول بعض من المستنيرين فض الاشتباك بين حرية العقيده وتشريعات الفقهاء فقدموا قراءات معاصرة لمفهوم الردة وتركزت حول معنين كلاهما صحيح. أولهما إثبات ضعف سند الاحاديث الذى أخرجها «البخارى». وثانيهما حول تناقض معنى الحديث مع صريح آيات القرآن الكريم عن حرية العقيدة. ورغم ذلك ظل حب الولوغ في الدماء وحب قطع الرقاب محمولا في العقل االاسلامي بجذره العربي الجاهلي.

اما المرجعية الاكثر احقاقا لحق البشر في اختيار عقائدهم وعملهم ومداخليهم وثروتهم فقد اتت من الوثيقة العالمية لحقوق الانسان وتتناقض في تاسيسها مع فاهيم العصور القديمة منذ ابو بكر مرورا بابن حزم وابن تيمية ووصولا الي عبد القادر عوده او مبادرات الاخوان المسلمين حاليا في مجلس الشعب المصري حيث قدموا مشروع قانون من احد عشر بندا تحت مسمي قانون الرده. وقبلها قدموا مشروعا لجمع الزكاه بالقوة. فجماعات الاسلام السياسي وعلي رأسهم الاخوان المسلمين تريد الحكم وارهاب المجتمع باسهل ما جاء في تاريخ القانون ونظم العقوبات تحت مسمي الشريعة استسهالا منهم ومغازلة لمواطنين تمكن منهم الجهل وعدم معرفة حقائق التاريخ فخسروا قدرا ليس بالقليل من قواهم الفكرية والعقلية.

ففي ضوء هذا الارتباك الحاصل في مفاهيم الاسلام فان القتل تحت مسمي الرده يجعل سؤال الجبر ام الاختيار ضرورة. وهو سؤال يجب طرحه واستخلاص اجابة عنه زمن المسلمين الاوائل وهو امر يحتاج الي جهد لاعاده قراءة تاريخ العرب والاسلام بعيون مختلفة. اما الاجابة الحديثة طبقا لما تعيشه البشرية حاليا فالاجابة عليه واضحة وصريحة لا تحتاج الي فقهاء ومشايخ. وبها تصبح الرده شئ من مخلفات الماضي.
الاجابة علي هذا السؤال ستحدد كثيرا من قناعاتنا بين ما ورثناه من ماضي لم يات باي تقدم او حرية وبين مكتسباتنا في عصور التماس مع باقي الثقافات الاكثر انفتاحا علي المعارف بتعددها والاديان بتنوعها والثقافات بثرائها إضافة للتغيرات التي طرات علي منطقتنا التعسة بثقافتها القمعية. وعليه فان التناقض الحاد الحادث بين قول القرآن "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وبين شريعة ابو بكر الصديق، وتلك كنيته، اي الذي صدق ما سمعه في اول الدعوة وكان ثان اثنين في الغار، يجعلنا كمواطنين في دول الشرق الاوسط نتوقف قليلا لنحتكم الي عقولنا لما جري في تاريخ المنطقة من تناقضات زاد من بلتها اعتبار المسلمون الاوائل مرضي عنهم ويزيدها بله ثروة النفط واهلها الذي يخافون من التماس مع ثقافات العالم المتعددة رغم ابتلاعم وغرقهم في كل منتجات من اعتبروهم كفارا ومرتدين واصحاب عقائد فاسدة من تكنولوجيا ورفاهية دون اي بادرة اصلاح للعقل او للموروث القديم من ابو بكر قديما وحتي ابن لادن حديثا.

الثلاثاء، 5 مايو 2009

وكان فضل الاحتلال عليك عظيما

أخيرا جرت الانتخابات العراقية لاختيار حكومة. وتعالت أصوات كثيرة منها القومي ومنها الإسلامي على اختلاف درجاتهم المتراوحة بين الفاشية والإرهاب، معتبرين أنها انتخابات غير شرعية بسب الاحتلال. ويغض المعترضون ضمن فصائل التطرف بنوعيه عن كون الذاهبين لصناديق الانتخاب والمدلين بأصواتهم هم العراقيون وليس جنود المارينز أو قوات التحالف. وان المرشحين هم من أبناء العراق وليس بينهم من اسمه جوني أو مادونا. أي أن العملية برمتها وكامل فعالياتها عراقية صرفة. فلأول مرة يختار شعب العراق حكومته في تاريخ العراق القومي الحديث. فهل كان لدي العراقيين سبيل تحت أي حكم قومي عروبي يضمر إسلاما متطرفا تشي به شعاراته الحزبية "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" لمثل تلك الفعاليات؟

تسارع العراقيين على الانتخاب والمشاركة وهو صك الشرعية لهم مستقبلا. فمستقبلهم سوف تحدده توازنات جديدة بين كل أطياف اللحمة العراقية. فالعراق من أكثر دول منطقة الشرق الأوسط استثناء في مسالة التعددية الدينية والعرقية والعشائرية والطائفية. فمن هو إذن الحامل للسلاح والمقاتل ضد الشعب العراقي بأكثر مما يقاوم به قوات التحالف؟ وفي نفس الوقت رافضا الانتخابات ليس فقط في زمن الحرب بل في زمن صدام ومده العروبي أو في المجتمعات ذات الصبغة الأصولية الإسلامية التي تعتبر الانتخاب كفرا أو على الأقل مخالفا لقواعد الدين الإسلامي. لقد حسمت الانتخابات الأخيرة الموقف الديموقراطي في أكثر بلاد الشرق الأوسط عنفا ودكتاتورية. فنسبة الـ 72% حضورا للناخبين تفوق بمراحل نسبة الحضور في أكثر بلاد المنطقة أمنا وأمانا.

فرسالة العرب إلى من جاورهم من شعوب في مصر والشام واليمن وإيران وتركيا وغربا إلى الأندلس هي الإسلام. وليس هناك في جعبة العرب من رسائل أخرى يمكنهم أن يتواصلوا بها مع الشعوب المحيطة بهم سوي الدين. وقد كان بالفعل من خلال الغزوات الموسعة لإيصال الرسالة. فشعار حزب البعث العراقي صاحب الرسالة الخالدة والذي قد يخدعنا بأنه حزب علماني اعتبر العراق مغنما وجعل من السنة العرب ركيزة للحكم حتى ولو أدخلت عناصر من غير المسلمين إلى صفوفه الأولى وتولت مناصب سيادية لا هدف منها سوي ضمان الولاءات لكل أطياف العراقيين وليس بهدف تمثيل متوازن لها، أو اعتبارا لمصالحهم. إلا أن القول الفصل ونهايات الأمور في كل مناحي الحياة في العراق كانت لصالح هذه الفئة والطائفة والعشيرة التي رفعت شعار العروبة ومبطنة الحكم الديني ولو بعد حين. منها على سبيل المثال لا الحصر، أن ثمن السلعة – أي سلعة – في تكريت وداخل المثلث السني كانت بنصف ثمنها في باقي العراق. فعلى ماذا اعترض المعترضون على الانتخابات وعلى أي أساس أقاموا رفضهم؟

فتحت وابل القصف العشوائي وتفجير المفخخات من بقايا نظام البعث ومعهم فضلات المجاهدين في أفغانستان، قال العراقيون كلمتهم برفضهم كلا الطرفين ومعهم الاحتلال الأجنبي أيضا. فالاحتلال الجديد كما هو حال الشعوب يسعى لإيجاد نظام يقبل بالتعددية وتداول السلطة والتعايش السلمي بين كل القوي الاجتماعية. تصميم العراقيين للوقوف أمام صندوق الانتخاب وتأكدهم من الإدلاء بصوتهم هو رسالة إلى الاحتلال بان دورك انتهي. هنا تلاقت ارادتين من الداخل في مطالب الشعب بالديموقراطية والغرب الذي بات مطالبا بها بعد أحداث سبتمبر. وهي نفس الارادات التي ظلت على طرفي نقيض منذ أتت حركة الانقلابات العسكرية في شرقنا الوسطي بنهاية الأربعينات وبدايات الخمسينات من القرن الماضي. انتخابات العراق أتت لنا بشرعية قائمة على أسس صحيحة وهي الاختيار الحر بين المتساويين في الترشيح. بينما الشرعيات المزعومة التي حكمت المنطقة طوال الخمسين عاما الماضية أتت كلها أيضا في ظل احتلال دون انتخاب حر واعتبرت نفسها شرعية. حركة ضباط يوليو اكتسبت شرعية ومصر تحت الاحتلال البريطاني. فهل يحق لنا إضافة فارق هام بين الاستعمار القديم والاحتلال الحديث في أن الأول يرحل بعد أن تأتى الفاشية إلى سدة الحكم بينما الحديث يسعى لمجيء الديموقراطية. الأمثلة التي تتفق وتلك الحسبة كثيرة لو استعرضنا دول المنطقة. بيّن أن الجديد هو الانتخاب والذي هو مناط الشرعية الحقيقي وكان هو البند الأخير في المبادئ الست لثورة يوليو العسكرية الذي لم يتحقق في مصر المحروسة بعد. فالاحتلال زائل لا محالة، بينما واقع حال المنطقة لا يشي بأي بادرة ديموقراطية حقيقة تأتى بنسبة حضور عالية كهذه لإقامة ديموقراطية سليمة تمنع استحضاره مرة أخري.

أكثر ما يهم ساكني الشرق الأوسط أن درس الاستقلال على يد الاستبداد ( العادل ) أتي بالاحتلال الأجنبي ثانية. لا لسبب سوي أن مثل هذا النظام بات متناقضا وبشكل رئيسي مع تطورات حركة البشر من خارج الدائرة العربية على وجه الخصوص. بينما الدائرة الإسلامية المتهمة بذات الأمر من خارج المنطقة العربية باتت بها بعض الشواهد الديموقراطية أي ممارسة العملية الانتخابية طالما كانت الثقافة العربية غائبة عنها. فرقعة الممارسة الديموقراطية في البلاد ذات المكون الإسلامي تزداد طرديا كلما ابتعدت بلادها عن المنطقة العربية، كإيران وتركيا والجزائر في القرب وإندونيسيا وباكستان من بعيد.

قضية الديموقراطية بدت هاجسا ومطلبا عالميا يتضامن فيه أهل الداخل التعس مع العالم من خارج دول الشرق الأوسط. ولعل التحولات المعرفية والكشوف العلمية طبيعية كانت أم اجتماعية قد ساعدت العقل الأوروبي والغربي عامة على اجتياز الحاجز بين الفاشية والديموقراطية. لكن هناك أمثلة أخرى جعلت من الحرب والاكتواء بنيرانها سببا للهروب إلى الديموقراطية والتحديث المجتمعي وإصلاح أمرهم واللحاق بركب المتحضرين كما في اليابان التي بدأت نهضتها متزامنة مع مصر في زمن محمد على.

العراقيون في حضورهم الطاغي للانتخاب دشنوا وثيقة تقول برفض كل المقولات العروبية والسلفية التي تجرم الانتخاب وهو ما كانت تنفذه النظم القومية دون تصريح أو فتاوى هم ليسوا بحاجة لها ومتفقة مع توجهات الغرب طوال عصر الحرب الباردة. فالقائد الكارزمي صاحب الخطاب الشعبوي كفيل بان يغشي الأبصار والأسماع. فيكفيه أن يجمع عليه الناس باستفتاء لا محدد لقواعده حتى يتولى كل المهام طبقا لتنظيرات الساسة الأمريكيين زمن الحرب الباردة، حين تبنت واشنطون مقولات فلاسفة السياسة كما لخصها كتاب " لعبة الأمم " صـ 83 في بحثهم عن زعيم كاريزمي لمصر. فيقول الكتاب " لقد كنا بحاجة إلى حاكم عربي يجمع بكلتا يديه سلطات تفوق كل ما تيسر لحاكم عربي آخر من قبل. سلطات تأنف منها الشعوب وتأباها. وكان علينا أن ننشد ضالتنا في رجل متعطش إلى تسلم السلطة… "

وقد وجد منظرو ومخططو البيت الأبيض ضالتهم بالمقاس المناسب تماما لمطالبهم. فقد جاء في كتاب " مع عبد الناصر" لمؤلفه " أمين هويدي"، وزير دفاع ومدير مخابرات نظام عبد الناصر في أتعس فتراته، بالصفحة 52 حيث قال عبد الناصر في المحاضر الرسمية لمباحثات الوحدة الثلاثية بين القاهرة ودمشق وبغداد في إبريل - نيسان 1963 عن السلطة في دولة الاتحاد ما نصه " أنا اعتبر عملية فصل السلطات خدعة كبرى لأنه في الحقيقة ما فيش حاجة اسمها فصل السلطات لان اللي عنده اغلبيه في البرلمان هوه اللي بياخد السلطة التنفيذية والتشريعية. إذن القيادة السياسية اللي عندها الأغلبية يبقي في أيدها حاجتين: السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وإذا أصبح في أيدها السلطة التشريعية أصبح بالتالي في أيدها السلطة القضائية لان السلطة القضائية خاضعة للسلطة التشريعية مهما قالوا عنها مستقلة. وإن الكلام اللي طلع في فرنسا أيام مونتسيكو عن فصل السلطات كلام نظري… "

مثل هذا الهراء الصادر عن زعيم لا يقل سلطوية وشهوة للمنصب عن صدام حسين والمتفق تماما مع توجهات اللعبة السياسية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية لا يختلف مطلقا عن خليفة إسلامي أو سلطان مملوكي باتت صورته في المخيال الشرقي مترافقة مع اقترانه حاكما بالقرآن كمصدر للتشريع ويلازمه كظله مسرور السياف للتنفيذ بعد حكم القضاء بكونه أولى أمر. فهو المشرع والقاضي والمنفذ طبقا لمبدأ الجمع بين السلطات الذي بحثت واشنطن عنه في ركام السياسيين في الشرق العربي الثقافة والإسلامي الدين. مثل هذا الحاكم كان هو المحبب إلى ساسة الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما يلقيه علينا تراث المنطقة المتخلف من عصور غابرة للمسلمين وللمدرسة الأصولية والداعين للخلافة الإسلامية وأصحاب نظريات العروبة. من تلك الزاوية تبدو فكرة القومية العروبية أو الحكم الإسلامي كوجهين لعملة واحدة جلية واضحة، وجدت فيه الولايات المتحدة ضالتها. فالحكم الديني – الإسلامي على وجه الخصوص – بكل سلبياته يترعرع في ظل العروبة، وكلما تعرب أهل البلاد كلما باتت الفاشية وحكم الدين اقرب إلى أعناقهم. هكذا صمت الأذن وعميت الأبصار ولم ير أحد كيف أن الإسلاميين يقتلون وشيوخ الإسلام يقولون بسماحة الدين الحنيف. وكيف أن القوميين ينفذون ولا مراجعة أو محاسبة لأخطائهم لجمعهم المطلق بين السلطات. بينما إسرائيل التي في قلب الأمة العربية جغرافيا ودينيا تعج بالانتخاب وتبدل الحكام وفي نفس الوقت تحقق المعجزات. وهو ما يطرح سؤالا قديما لم نجد إجابة عنه قديما: من هي ربيبة الاستعمار حقيقية، إسرائيل أم النظم العربية؟

فالمشكلة ليست عراقية فقط بل هي شرق أوسطية فجميع دول المنطقة مهددة دون استثناء لأنها وبدون استثناء تحوي فكرا فاشيا، عروبيا قوميا كان أم إسلاميا أصوليا، مع أن الجميع لم يكفوا الحديث عن الحاجة إلى الديموقراطية والي انتخابات حرة تضم كل التيارات السياسية. فمن نصدق، صوت الداخل أم صوت الخارج؟.

فالجنون المؤدي للعجز والشلل العقلي والفكري وليس فقط السياسي لثقافة وفكر الشرق الأوسط الفاشل تجلت فيما سمي بالصحوة الإسلامية والتي لم تنبت سوى عقول تسعي لضرب مبدأ المواطنة لصالح العقيدة الغيبية، أي ضرب الحد الأدنى المطلوب لممارسة الديموقراطية في دورة جديدة لجمع السلطات، جعلت البعض يدرك الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني، ثم انتقل الأمر إلى الإصلاح عندما لم يتقدم أحد مقترحا كيفية التجديد. وفكرة الإصلاح التي لم تجد أيضا من يصلح أدت إلى فكرة التغيير. بفشل الدعوتين، التجديد والإصلاح، باتت مسألة التغيير الشامل قضية أوروبية وأمريكية وعالمية. وهكذا بدا العالم العربي الإسلامي صاحب الرسالة الخالدة رجل العالم المريض كالدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى مضافا إليها جنون الإرهاب الإسلامي. فالانتخابات العراقية هزمت العرب عامة وأهل السنة خاصة. وهزمت الاحتلال الأمريكي أيضا لأنها قطعت الطريق على المطلب الأمريكي بقيام نظام ديموقراطي وحققت ما تتمناه الشعوب تحت نير النظم القومية والإسلامية

الاثنين، 27 أبريل 2009

كارثة الفكر الإسلامي طوال التاريخ

في مارس 2009 بثت محطات التلفزيون الباكستانية مشاهد لرجال من حركة طالبان الباكستانية وهم يقومون بجلد امرأة اتهمت بارتكاب جريمة الزنا ورفض كل من مفتي باكستان ورئيس الجماعة الإسلامية المنتخب حديثاً منور حسن التعليق على المسألة، وهو امر طبيعي فهل يناقض رجال الدين احكام شريعة الاسلام؟ وبرر كل منهما هذا التحفظ بأن المعلومات حول الموضوع كانت شحيحة. وقال منور حسن إنه لا يعلق لمجرد مشاهدة شريط فيديو، وثنى بالقول بأن إثارة مثل هذه القضايا الثانوية يجب الإعراض عنه لصالح التركيز على التدخل الامريكي في باكستان بدعوى مكافحة الإرهاب. من جانب آخر فإن المنظمات الحقوقية قالت إن ما يحدث ردة إلى عصور البربرية.
الملفت في هذا الجدل هو أن أيا من هذه الأطراف لم يثر قضية الشرعية في هذه المسألة، وما هو مصدر سلطة الجهة التي ادعت أنها تنفذ أحكام الشريعة؟ وهل يجوز لأي جهة كانت، وأي جماعة أن تعلن نفسها جهة مخولة تطبيق أحكام الشريعة في منطقة ما بدون الرجوع إلى أي مرجعية تمثل الأمة؟ فالأمر لا يتعلق بتفاصيل العملية، وما إذا كانت كما قال بعض العلماء تتعلق بحضور قاضٍ أو بقيام رجال بالإمساك بامرأة وضربها علناً أمام جمهور رجالي، وإنما بأصل العملية وأحقية الجهات التي نصبت نفسها قيادة دينية وسلطة قضائية وشرطة تنفيذ بدون مرجعية.
وليست هذه هي المرة الأولى في التاريخ الإسلامي القديم والحديث التي تقوم فيها مجموعة من الخوارج على إجماع الأمة بتنصيب نفسها حكومة إسلامية شرعية تجعل نفسها ليس فقط حكماً على من يقع في قبضتها من سيئي الحظ، بل على الأمة بكاملها. فقد كان الخوارج من قبل يكفرون سواد الأمة، ويطبقون حد الردة علي كل مسلم يقع في قبضتهم. نفس الأمر قامت به الجماعات الإسلامية المحاربة في مصر في السبعينات ثم في التسعينات، حيث كان أنصاف المتعلمين في هذه الجماعات يصدرون الفتاوى المبررة للقتل والنهب ويشاركون في تنفيذها. وتكرر الأمر في جبال الجزائر في التسعينات وحالياً في ما يسمى بتنظيم القاعدة في المغرب العربي ودولة العراق الإسلامية وغير ذلك من الكيانات التي نصبت نفسها سلطاناً ينوب عن السماء ويقوم مقام الأمة الخارجة في نظرهم عن الشرعية. وليس حركة طالبان إلا حلقة جديدة من حلقات هذا المسلسل.
قيام حركة طالبان الباكستانية على غرار سلفها وحليفتها طالبان أفغانستان وتمدد نفوذها له دلالات عميقة وهامة ذات علاقة بحاضر الدولة الباكستانية ومستقبلها، وأيضاً بحال الإسلام والأمة الإسلامية ومستقبلها. فعندما قامت طالبان أفغانستان جاءت نشأتها في ساحة تتنازعها حركات الجهاد المسلحة في جو شهد فراغاً سياسياً وغياب شرعية مجمع عليها. وعليه فلم تكن قضية الشرعية مثارة في ساحة كانت الشرعية فيها تنتزع من فوهة البندقية. بل بالعكس وجدت الحركة سنداً شعبياً لأنها وجدت دعما من المملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة المفوضه بالحديث عن الجلد والرجم وبتر الاطراف وعقاب المرأة تحت مسمي الشريعة الغراء. ولكن الأمر يختلف في باكستان التي توجد فيها سلطة مستقرة وحكومة منتخبة وتملك جيشاً قوياً له ترسانة نووية. فكيف تقوم فئة أياً كانت بتنصيب نفسها سلطة مسلحة تستولي على الأرض وتنفذ الأحكام في ظل أوضاع كهذه؟
يضاف إلى ذلك أن باكستان تعتبر أيضاً موطن إحدى الحركات الإسلامية الحديثة الرائدة، منذ أن أنشأ فيها (أو في الهند قبل تقسيمها إذا شئنا الدقة) السيد أبو الأعلى المودودي الجماعة الإسلامية في عام 1941. وقد قدمت الجماعة الإسلامية تحت قيادة المودودي مساهمات مقدرة في الفكر الإسلامي الحديث والممارسة السياسية، وتأثرت بها الحركات الإسلامية الأخرى ونهلت من معينها، خاصة حركة الإخوان المسلمين في مصر (الجناح المحيط بسيد قطب). وهناك الكثير مما يستحق الانتقاد في فكر الجماعة الإسلامية وممارساتها، حيث وصفت بالغلو حيناً وبالجمود والتزمت أحياناً، وقد تجاوز الزمن على كل حال كثيرا من أطروحاتها. ولكن فكر الجماعة الإسلامية على علاته متقدم بسنوات ضوئية على الفكر الطالباني المهووس بالمرأة ومحاصرتها وإلغائها، حتى من دور العبادة وأماكن العلم.
فالحركات الإسلامية الحديثة متهمة بالظلامية والتخلف والسعي إلى إعادة المجتمعات الإسلامية إلى العصور الوسطى فكراً وممارسة. وهناك اتهامات مماثلة لنظم الحكم التي تستلهم الإسلام، خاصة في إيران والسعودية. وهي اتهامات علي جانب كبير من الصحة. فالنظام السعودي نشأ من تراث واحدة من آخر حركات ما قبل الحداثة الإحيائية، وأسس في مجتمع قبلي بدوي لم تكد يد الحداثة تمسه. أما النظام الإيراني فإنه جاء في بلد قطع شوطاً كبيراً في التحديث، ولكنه جاء من داخل الحوزة العلمية التي تشبه مدارس طالبان في كونها امتدادا لتراث ما قبل الحداثة، وهيمن عليه علماء تلك الحقبة وتفكيرها.
ولكن بالرغم من ذلك فإن كلا من النظامين السعودي والإيراني وبشكل انتهازي تعلم من الحداثة وأخذ منها الكثير لدعم حمه للبلاد والعباد. فالسعودية شهدت تقدماً كبيراً في مجال التحديث الامني وفي مجالات البنية التحتية. إيران أيضاً شهدت تقدماً تقنياً في مجالات عدة (خاصة التسلح) واجتماعياً في مشاركة المرأة في الحياة العامة، وسياسياً في تبني المؤسسات ذات الطابع الديمقراطي من برلمان ونظام انتخابي وغير ذلك. نعم لا يزال في كل من النظامين قصور كبير وتخلف في نواح كثيرة، ولكن كلا منهما يعايش عصره ويأخذ بكثير من مزاياه لكنه يظل علي تبنيه البربريات في قانون العقوبات تحت مسمي الشريعة.
أما الحركات الطالبانية بشقيها الباكستاني والأفغاني فتسيطر عليها طائفة من الأميين والجهال ليس فقط بأمور الدنيا، بل بكثير من أمور الدين. وكثير من قادتها يعلون تراثهم القبلي الجاهلي المعادي للمرأة باعتبار ان أحكام الشريعة تتفق وبدائيتهم. ولا شك أن حركة طالبان لو استمرت في حكم أفغانستان كانت ستتحول (ربما بعد عقود) إلى نموذج يشبه النموذج السعودي، وربما الإيراني (بعد قرون)، ولكن السؤال هو ما هو عدد الضحايا الذين سيدفعون ثمن هذه الفجوة، علماً بأنه لا النموذج السعودي ولا الإيراني بصورتهما الحالية يقتربان من المثال الإسلامي.
لقد شهدنا في تطور الحركات المشابهة في مصر والجزائر إعلان التوبة والرجوع عن الممارسات التي اعترفت بخطئها، ولكن بعد أن قتلت ودمرت وأساءت إلى الإسلام. وقبل ذلك تبعت هذه الحركات طريق أسلافها الخوارج في الانشقاقات والاقتتال الداخلي. فمن الطبيعي في هذه الحركات التي تنصب نفسها حكماً على الأمة ونائباً عنها أن يعتبر كل فرد فيها أنه حاكم بأمره. وهكذا يقود أقل خلاف إلى تكفير أفراد هذه الحركات بعضها بعضاً. بل إن الحركة الإسلامية المقاتلة في الجزائر أعدمت قادتها أكثر من مرة بتبريرات مضحكة مبكية.
هناك مسؤولية أخلاقية دينية أمام الأمة وعلمائها ومفكريها ألا يسمحوا للجهال بأن يأخذوا الأمة رهينة لجهالاتهم وضلالاتهم. والموقف المتخاذل لقيادات الحركة الإسلامية في باكستان وخارجها تجاه ما يقع في وادي سوات باسم الشريعة يعبر عن خلل كبير في الفكر الإسلامي الحديث، حيث أصبح من السهل ابتزاز العلماء والمفكرين بمجرد رفع شعار الشريعة الإسلامية مهما كان الفهم للشريعة وتطبيقها قاصراً. ومن أبجديات الفهم الإسلامي هو أن النظام الإسلامي كل متكامل، وأن من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض هم بحسب القرآن 'الكافرون حقا'.
وقد كان كثير ممن يسمون أنفسهم قادة المجاهدين في أفغانستان يمارسون الشذوذ الجنسي جهاراً ويغتصبون الأطفال، ويمارسون النهب والقتل، ثم يطبقون بالعنف اجتهادات قاصرة حول المرأة أو جزئيات أخرى. وبالمثل نجد أن غاية ما جادت به قريحة طالبان باكستان من فهم للإسلام هو هدم مدارس الفتيات وفرض الجهل على النساء، حيث لم يفتح الله عليهم ببديل بناء، مثل استخدام هذه المباني لغرض آخر، أو تقديم منهج تعليمي بديل. ذلك إنه ليس لديهم علم بديل، ولا بضاعة يسوقونها سوى الجهل والتجهيل.
الذي سيحدث لو استمرت سيطرة هذه الفئات على وادي سوات وما حوله هو أن غالبية سكان تلك المناطق سيهجرونها إلى أمكنة أخرى، وستتحول مناطق طالبان إلى خرائب ينعق فيها البوم والجهال من رجال القبائل. صحيح أن باكستان تعاني من فساد واستقطاب سياسي، كما أن الحرب الأمريكية علي الارهاب ستزيد من الدعم الشعبي لطالبان والحركات الإسلامية المتشددة. ولكن أيا من هذا لا يجب أن يكون مبرراً للتواطؤ في الإساءة إلى الإسلام باكثر مما هو قائم وموروث.
إن الفكر الإسلامي الحديث حول الحكم ما يزال يعاني من قصور أساسي وتخلف كبير في معظم نواحيه، ولكن القصور في الفكر التقليدي عموماً، وتجلياته التي أشرنا إليها (بما في ذلك التجارب السعودية والإيرانية) هو أنها تتعامى عن واقع الحداثة ومعارفها حتى تصطدم بها مثل سفينة تبحر في الليل البهيم بغير هدى فتواجه الكارثة أو تحول مسارها مئة وثمانين درجة. ولهذا نجد هذه التركيبات تتجه من تطرف إلى آخر، فهي تتطرف حيناً في التعصب لجزئيات مبتورة عن سياقها، ثم ما تلبث حين تصصدم بالواقع أن تتطرف في الاتجاه الآخر، فتبالغ في الخضوع للأجانب والتنكر لأبسط قواعد الدين.
ما يجري في باكستان ليس إذن تحديا لأهل الباكستان وحكوماتهم المتضعضعة الفاسدة، وإنما أيضاً للعالم الإسلامي ككل. فالأمر لا يتعلق فقط بالصراع الدموي حول بقعة في أطراف باكستان، ولماذا يصمت أهل الرأي والعلماء عن هذا التشويه للدين والعدوان على فتيات الأمة ونسائها بغير وجه حق، فهل العدوان لا يكون عدواناً إلا عندما يجترحه الأمريكان كما قال زعيم الجماعة الإسلامية، أم أن العدوان الأكبر هو الافتراء علي البشر بغير سلطان مبين؟

الإعلام العربي في عصر الجاهلية

الإعلام العربي من عصر الجاهلية إلى جاهلية ما بعد الإسلام: ضرورة ترسيخ قيم الحرية والحداثة
إحسان طالب
لا يمكن لمتابع أيا ً كانت صفته إلا ملاحظة التقدم الهائل الذي طرأ على الإعلام العربي في العقد الأخير حيث زادت الصحف و الجرائد بشكل كبير و ملحوظ إلى جانب تفاقم عدد الفضائيات و لعل أدنى مثال على ذلك هو العراق حيث تضاعف عدد الصحف و المجلات في مئات المرات. وهذه ظاهرة إيجابية رغم ما يعتريها من فوضى مؤقتة ستزول بالتمرس و اكتساب الخبرات.

في تقديري حتى يكون الإعلام العربي فاعلا ً و مؤثرا ً في عملية القضاء على الاستبداد و الفساد و التخلف و الجهل و الإسهام في التنمية البشرية و الاقتصادية يفترض في الإعلاميين التحلي بسلاح المعرفة و المعلومات في عصر غدت فيه المعرفة متاحة و ميسرة و المعلومات في متناول اليد ترجو من يتناولها و يصل إليها بقليل من الجهد و البحث السريع أحيانا ً و المتأني أحيانا ً أخرى فثورة الاتصالات التي نعيشها اليوم تلقينا في بحر من الأبحاث و الدراسات و الإحصائيات و الفرضيات و النظريات توفر لنا كل ما ينبغي الحصول عليه من أجل الوصول إلى إعلام حضاري و متمكن. كما يفترض بنا التحلي بالجرأة و الشجاعة لنقتحم حصون الفساد و قلاع الاستبداد بالنقد البناء و كشف العيوب و الجرائم والأخطاء، والانطلاق نحو حرية الرأي والتركيز على دور الفرد بإمكانياته الخاصة وعقله وعلمه المجرد في الوصول إلى المعرفة.

هنا نتساءل هل هناك خصوصية للإعلام العربي غير كونه ناطق بالعربية؟ وهل يتحلى إعلامنا برسالة أو رسائل خاصة تميزه عن غيره من الإعلام الناطق باللغات الحية الأخرى؟ ربما كانت الميزة الأولى للإعلام العربي سيطرة أجهزة السلطة عليه إما مباشرة أو توجيها ً وتمويلا ً، وبذلك يتحلى الإعلام بمهمة رئيسية هي دعم الأنظمة الحاكمة القائمة وتبرير بقائها في السلطة والتستر على عيوبها وأخطائها، وهذا لا يعني وجود إعلام وصحافة عربية حرة فهو موجود ولكن في حدود ضيقة. وفي عصرنا الحديث الذي غدا فيه العالم مكشوفا ً والخبر متاحا ً وغدت الأرض قرية صغيرة يعرف ما يجري فيها وكل أخبارها الصغار والكبار، وعليه كان لزاما ً زيادة هامش الحرية والنقد بما يعكس صورة أقل مأساوية وأكثر واقعية للإعلام الذي ما زال يحبو في دروب الحرية والتطور.

ربما يقع على عاتق الإعلاميين البحث عن الحقيقة وإظهارها وعدم التستر عليها حماية للفساد والاستبداد وبذلك يؤدي الإعلام دورا ً من أهم أدواره التي يعد الدور الثقافي التنويري الهام لها حيويا ً وضروريا ً فالشعوب العربية عموما ً بحاجة ماسة إلى إعلام نقدي مثقف ومضطلع قادر على النهوض بالعقل العربي إلى حيث البحث ومن ثم الوصول إلى المعرفة متجردا ً من قيود حاصرته زمنا ً طويلا ً وما زالت.

يركز الإعلام العربي عموما ً على الثقافة الدينية ويفسح لها مجالات واسعة ورئيسية وذلك لاستقطاب القراء والمتصفحين الذين تتمحور اهتماماتهم في الغالب في معرفة الموروث وعلاقته بالحاضر، ونتيجة لضمور واضمحلال التوجهات الثقافية الأخرى لدى شرائح عديدة من الشعوب العربية، غدا الاهتمام والعناية بالمناحي الثقافية المرتبطة بالأدب والفكر والفن محدودا ً وبمراجعة بسيطة لنوعية الكتب المطبوعة والمقروءة من خلال معارض الكتاب المنتشرة في عواصم المعرفة العربية نلاحظ بوضوح احتلال كتب التراث وما دار في فلكها في المراتب الأولى طباعة وشراء وقراءة ومن جانب آخر نلاحظ أن رواد المواقع الالكترونية الدينية يحققون أرقاما ً عالية جدا ً بالمقارنة مع المواقع ذات التوجهات الثقافية المتنوعة والليبرالية. ومن هنا نستطيع الربط بين توجهات الإعلام وأمزجة المتلقين، فالوسائل الإعلامية عموما ً تسعى لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المتابعين من أجل وصولها إلى تلك الغاية تقدم لهم ما يودون الإطلاع عليه مما يوقعها في مأزق يمنعها من الخروج على رغبات وتوجهات القراء والمتابعين. وفي هذه النقطة بالذات ينبغي على الإعلاميين تحقيق التوازن بين ما هو مطلوب وبين ما ينبغي الوصول إليه.

إعلام عصر ما بعد الإسلام:
لعل أقرب ما يميز الإعلام العربي ارتباطه بثلاثة أنواع الأول الإعلام الرسمي وهو إعلام الأنظمة ومهمته منصبة على تدعيم النظام القائم ومدح الزعيم القائد وإبراز دوره التاريخي الذي يرنو إليه العالم أجمع والفخر بما ينتسب إليه هذا الزعيم الأوحد وهجاء الآخرين المصنفين في خانة الأعداء ورثاء أسلاف الزعيم والوقوف على أطلال الماضي والتباكي على اندثاره وضياعه.
الثاني الإعلام شبه الرسمي ويتماشى بأغراضه وتوجهاته مع الأول ويضيف عليها نقد قشري للواقع الذي تعانيه الشعوب ويحيل أسباب الفساد والاستبداد والتخلف والجهل والبطالة والتعصب والتطرف إلى الأعداء الخارجيين ويؤكد أن كل العيوب والنقائص إنما هي ناجمة عن البعد عن توجهات وآراء وقرارات الزعيم الأعظم.

والثالث الإعلام الخاص وهو في الأنظمة الشمولية إعلام رديء يحاول التستر بعباءة معارضة النظام وينتقد أشخاصا ً ومؤسسات وأفراد بحدود معينة لا تقارب الخطوط المحرمة من حيث المستويات والانتماءات، ويتلقى التعليمات والتوجيهات من رؤوس الأجهزة الأمنية بالتركيز نحو نقاط محددة للتأثير على العامة وتسيير القطيع المتلقي باتجاه مرعى ً بعينه، ويبرع هذا الإعلام في إظهار عجز الحكومات المعينة من قبل السلطة الحاكمة عن الوصول إلى الأهداف والغايات النبيلة التي تبنتها السلطة وغالبا ً ما يكون ثوريا ً أكثر من الثورة ذاتها وملكيا ً أكثر من الملك ويبدي تشددا ً وتعصبا ً وانغلاقا ً في أيديولوجياته وعقائده.

هذه الصورة للإعلام العربي لا تغادر تلك التي كانت معروفة ومتاحة عن الإعلام في العصر الجاهلي. وللبيان أقول: يعد الشعر في العصر الجاهلي الوسيلة الأهم والأبرز في الإفصاح عن طبيعة المرحلة التاريخية للعرب ما قبل البعثة حيث يشكل الشعراء منابر الإعلام والتوجيه في ذلك الوقت وبتلقائية شديدة كانت أهداف الشعر الجاهلي – إعلام ذلك العصر – محددة الأهداف وألأغراض والغايات بالفخر والمديح للشاعر وقبيلته وعشيرته وبالهجاء والذم والقدح للآخرين بالإضافة إلى الرثاء لمن غادر من أعلام القبيلة والعشيرة ونهج الشعر الجاهلي – إعلام عصره – عادة البكاء على الأطلال خارج مضارب القبيلة وما تبقى من آثار العشيرة. وهنا ببساطة – ربما مبالغ فيها – نلحظ التشابه بين إعلام العصر الجاهلي وبين الإعلام العربي الحديث الذي أصنفه بإعلام عصر ما بعد الإسلام.

فالعصر الإسلامي بإيجابياته وسلبياته تجاوزه الإعلام العربي الحديث وأصبحنا بعد أو فوق العصر الإسلامي و ذلك بالابتعاد عن القيم الإسلامية التي جاءت الرسالة في بدايتها منادية بها.

فالحرية و التسامح و المساواة و التكافل بين البشر كافة دون تمييز بين لون أو عرق أو دين كانت أهم أسباب سرعة انتشار و تقبل الدين الجديد بين أهله و خارج حدوده بين العرب و الأعاجم و مازالت تلك القيم المحرك الأهم في استقطاب أناس جدد ينضمون إلى قافلة المسلمين، و هذا لا يعني أن تلك القيم هي السبب الوحيد لكنها بدون ريب الوجه المضيء و الصفحة الإيجابية التي تتلى للتبشير بالأسلمة.

الإعلام العربي الحديث تجاوز تلك المبادئ السامية و القيم الإنسانية و حشر ذاته في مضامين و أغراض الإعلام الجاهلي القديم – الشعر – لذلك نعتبره إعلام ما بعد العصر الإسلامي. و للإنصاف فإن ذلك الوصف لا ينطبق على الكل إلا أنه يلتصق بالغالبية على الأرجح. و للإنصاف أيضا ً لابد من التنبيه إلى أن الشعر الجاهلي حقق إنجازا ً حضاريا ً ما زال قائما ً إلى وقتنا الحالي من خلال إبحاره في غمار الغزل و الوصف و تحليقه في فضاءات كادت تصل حد الإعجاز.

فالشعر الجاهلي أنجز تطورا ً و إبداعا ً شكليا ً في غاية الروعة و الجمال ما زالت تداعيات آثاره ماثلة و قادرة على تحفيز القرائح نحو الإبداع.

نجد الإعلام العربي في عصر ما بعد الإسلام محفزا ً فقط للتعصب و العدائية و التطرف و إقصاء الآخر و التعالي على الحضارات الأخرى و ربما كان تناوله لقضية الرسوم المسيئة للنبي (ص) دليلا ً و مؤشرا ً يدعم ما ذهبنا إليه ففي تاريخ 3/2/2006 عقدت قناة الجزيرة ندوة عن تلك الرسوم كانت الغلبة فيها كالعادة للتشدد و في 4/2/2006 تم إحراق عدد من السفارات الأوروبية في دمشق و بعدها في بيروت. لا أقول أن السبب الوحيد للقيام بمثل ذلك العمل المهين هو قناة الجزيرة فقط و لكنها ساهمت بشكل فعال في تحريض الناس و الرعاع على مثل ذلك الفعل كما ساهمت الصحف و القنوات الأخرى في ذلك إلى جانب خطب الجمعة التي سبقت يوم الحادث حتى الوصول إلى تلك النتيجة و من ثمة الانتقال بالمجتمعات العربية إلى عصر ما بعد الإسلام تحت راية و هوس التشدد الديني.
m.h.taleb@mail.sy

العروبة ماتت بالسكتة القومية


نعم، حلمنا وتوهمنا وخدعنا.. وارتكبت أكبر الأخطاء دون التعلم من التجارب طريق الخلاص من التهريج! ثلاثون سنة باسم القومية العربية وثلاثون سنة باسم ما أسمى بالصحوة الدينية! لنتأمل حجم الانقسامات، وعوامل التقهقر، وانكفاء الحياة.. لقد توهم الناس كل الفذلكات صراحة، والبطولات أمجادا، والأكاذيب حقائق ، سألت أحد أبرز القادة القوميين وهو أكرم الحورانى عندما التقيت به ببيته فى الشميسانى بالعاصمة الأردنية، مساء يوم 7 / 11 / ,1996 قائلاً: كيف كنتم ستحكمون إن حققتم الوحدة العربية
قال: من خلال قيادتين قومية وقطرية، قلت له: وهل سيكون ذلك من دون انتخابات واستفتاءات للناس
قال متسائلاً: أتعتقد أن الأحزاب القومية تؤمن بالديمقراطية! قلت له: ولماذا أوهمتم الملايين بالحرية كمبدأ وهدف معاً
زاغ بصره قليلاً، والتفت يقول: إن تجاربنا القومية كلها مستلة من تجربة الحزب الوطنى الاشتراكى فى ألمانيا النازية! وأرجو أن تسجل هذا على.. فتجاربنا القومية فى الأربعينيات قد تأثرت بتجربتى ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية! قلت: وماذا تقول فى الرئيس عبد الناصر والناصرية
قال: نحن سبقناه، وجاء من بعدنا فركب الموجة، وغطى علينا لانسياق الجماهير وراءه، وكان بيننا وبينه ما صنع الحداد! (انتهى كلامه).
الانهزامية بطولة! كان من المحتم أن تنهزم القومية العربية، ثقافة وأيديولوجية كونها عبرت عن مصالح قوى حزبية، أو سلطات انقلابية، وحكومات عسكرية لا تعبر عن أمنيات مجتمع، وتنمية فكر واستنارة عقل! وعلينا أن نعلم أن «نزعة العروبة» قد استلبتها «الظاهرة القومية»، وتحدثت باسمها لزمن طويل! اليوم، كثيراً ما تشتم «العروبة» ظلماً وعدوانا، بسبب كراهية الموجات القديمة والجديدة للقومية العربية والفكر القومى العربى.. ولا يزال القوميون حتى يومنا هذا يدافعون دفاعاً مستميتاً عن تاريخهم، إزاء استثناء ثلة منهم، راجعوا أنفسهم، فوجدوا أن مجتمعاتنا عاشت مخدوعة خديعة كبرى بفعل الوازع القومى الذى لا وجود له فى مجتمعات لم تكن تعرف إلا ما يجمعها (عروبيا).. ولكن مع وجود خصوصيات يختص بها كل مجتمع عن الآخر. إن من المضحكات القومية أن تغدو كل هزائمها بطولات عظيمة!
معنى العروبة إن «العروبة» هوية ثقافية قديمة جداً، وأنها مجموعة قيم يتصف بها أبناؤها، أو من يعتز بالانتماء إليها، وسلسلة أساليب حياة تتوارثها الأجيال كابرا عن كابر، وأنها مجموعة من بقايا القيم والمواريث كالمروءة والسماحة، وهى الأسماء والفولكلوريات، وهى أساليب الحياة الثقافية المتوارثة بصالحها وطالحها، وبكل سوالبها وإيجابياتها سواء عند الحضر أو البدو.. وهى البيئة والصحراء والشعر واللغة.. هى الموسيقى والطرب وهى التى عبر من خلالها أصحابها فى قلب العالم القديم، وهى النسق الاجتماعى والثقافى لتراث حضارى بكل ألوانه وعناصره وتاريخه، أما القومية العربية، فهى ظاهرة أيديولوجية حديثة، تطورت عن «فكرة» سياسية لا يزيد عمرها على قرن واحد عربياً، وتبلورت متأثرة بالفكرة القومية التى نضجت خلال قرنين من الزمن أوروبيا.. ولقد وجدت القومية العربية لها عناصرها فى ظروف دولية معقدة، وتبلورت هى نفسها فى ظروف تاريخية صعبة، وتأثر أصحابها بالنزعات القومية الأخرى القريبة والبعيدة وبالأخص الأوروبية.. وإذا كانت قد نجحت فى أوروبا بتشكيل دول وممالك اتحادية كونها عبرت عن حقائق وواقع، فإن القومية العربية فشلت فى أهم مشروع نادت به هو «الوحدة العربية» كونه لم يعبر عن واقع أبداً!!
جعلوا الأوهام حقائق ومن أبرز مشاكل القومية العربية أنها احتكرت «العروبة» منذ نشأتها، وكانت ولا تزال تتحدث باسمها فى واحد من أخطر جوانبها المخفية عن الوعى والتفكير.. أما خطاياها الأخرى، فحدث عنها ولا حرج، ومنها «أوهامها» التى تعتبرها حقائق أساسية ومنها غلوها وتعصبها وتشددها ضد كل من لم يؤمن بها مهما بلغت درجة عروبته من العنفوان، ففقدت أيديولوجيتها مصداقيتها حتى عند العرب أنفسهم! هذا هو الفرق الحقيقى بين مفهومين اثنين لدى العرب المحدثين ومن يشاركهم حياتهم، وهم الذين لم يعلموا، حتى الآن، أن القومية العربية قد استلبت العروبة نفسها، وجردتها من كل المعانى بعد أن استغلت اسمها استغلالا خاطئاً.
كنت أتمنى عليهم! واليوم، لم ينفع نداء العقل ومطالبة كل المستنيرين للقوميين، أن يجددوا مضامين خطابهم، ويراجعوا مواقفهم، ويعترفوا بالأخطاء التى جنوها بحق أجيالهم.. كنت أتمنى على الثقافة القومية العربية أن تنتقد نفسها نقداً صارماً.. كيف أنها خدعت الملايين بتحقيق شعارات لا تستقيم والواقع! كنت أتمنى على مثقفيها أن يتأملوا كل الأهداف التى جمعتهم من دون تحقيق أى واحد منها! كنت أتمنى أن يعترف القوميون بالأخطاء الجسيمة التى ارتكبوها فى تهميش القوميات والأقليات الأخرى، بتفضيلهم العرب على شعوب أخرى.. والبقاء، وهم يسبحون ليل نهار بالمفاخر والأمجاد! كنت أتمنى أن يقرأ القوميون التاريخ بدقة متناهية ليجدوا أن مجتمعاتنا العربية لم تجمعها أية أهداف سياسية محددة، بقدر ما جمعتها أهداف حضارية كبرى! كنت أتمنى ألا تسرق العروبة بكل معانيها، لتستلب باسم القومية، إن العروبة، ثقافة مشتركة، ولغة واسعة، لها امتداد كبير من الزمن الحضارى! كنت أتمنى أن تحترم رموزنا، بدلاً من تبقى مقدسة فى الذات! كنت أتمنى أن من تعاد مراجعة التاريخ القريب لكى يحاكم المهزومون والمهرجون وكل الطغاة، ويخرج كل أصحاب الزعامة والفخامة والرئاسة من قاعات التبجيل فى مؤتمرات القمة إلى حيث مساءلتهم، عما اقترفوه بحق الناس.. وهل كانت خطاباتهم وأقوالهم وتصريحاتهم تعبر بصدق عن مبادئ، أم كانت لمآرب أخرى

من احتكر الأخر
كثيراً ما قورنت القومية العربية فى مدارسنا التى تعلمنا فيها بقوميات أوروبا بمنتهى الغباء والسذاجة! وكأننا بيئة مشابهة وتاريخ متجانس، وإذا كان القوميون قد احتكروا العروبة لأنفسهم، فهل ليست لغيرهم عروبتهم
فالقومية - هنا - تيار سياسى فقط، ولا يمكنها أن تحتكر العروبة كلها، وسواء كانت العروبة على صواب أم خطأ، فينبغى أن يدرك الجميع أن عروبتنا التاريخية القديمة لا علاقة لها بالقومية العربية، مع احترامنا للظاهرة القومية وما قدمته لتاريخ البشرية، لقد أضرت القومية العربية بثقافتنا، وساهمت فى تقسيم مجتمعاتنا على مدى قرابة ستين سنة، وبالرغم من كل الأدبيات التى تتضمن أفكاراً مثالية، ورؤى رومانسية، وخطابات ثورية، ولكن التطبيق كان قد جر إلى الخراب.
وأخيراً.. هل من رؤية جديدة
إن العروبة التى توارثتها الأجيال عبر التاريخ، ليست مجموعة أحزاب قومية كالتى عرفناها على الساحة، قد استلت أفكارها، ونصوص بياناتها، وبنود أنظمتها الداخلية، ومسرد خطابها من القوميات الأوروبية! لقد تربينا وكبرنا على أناشيد قومية، وشعارات قومية، وبيانات انقلابات قومية، وخطابات رائد القومية.. وفجأة ينتهى ذلك المد الطاغى الذى وصل الحد أيام غطرسته أن يذهب المرء إلى الجحيم إن انتقد بعض ممارسات بشعة قام بها ضباط مستهترون، أو حزبيون مناضلون، أو مصفقون ومهرجون!! لقد بات القوميون اليوم - كما يظهر - يهربون من استخدام القومية العربية، أو القوميين، أو الجماعات القومية.. ليلبسوا لباس الدين، أو يتشحوا بالعروبة، وكأن قوميتهم العربية قد أصبحت عتيقة مكسرة لا تقوى على الحياة! ولكنها مجرد سنوات ويرحل هذا الجيل الذى صفق للأحلام ليترك الساحة إلى مهرجين جدد يصفقون للأوهام ويا للأسف!
د. سيار الجميل

مأزق العقل العربي وتحديات الحاضر

من المؤكد ان العقل العربي منذ بداية عصر التخلف وحتى الآن يفرز تفكيرا جامدا ويؤكد وعيا سلبيا، ولا يعوزنا لكي نؤكد هذه المقدمة بالدلائل، فما حدث منذ بداية القرن الذي مضى والقرن الذي أهلّ وما جرى فيهما من وقائع وأحداث تثبت ذلك وتؤكده، فالعقل العربي باختصار هو عقل لا يعرف ما يريد وعاجز عن تحديد توجهاته، فهو غيبي حين الحديث عن أهدافه، مفرداته مستهلكة وقدراته الذهنية منهكة، يرفض حين يجب ان يقبل والعكس صحيح، اما الحديث عن رؤية الفرص التاريخية فهو حديث، اذا شئنا الدقة، هو حديث عن الفرص الضائعة وكيف استطعنا باجتهادات لا نحسد عليها ان ننجح في ذلك نجاحا كان لنا دائما فضل السبق فيه، ولعل سبب ذلك مرده الى ان الذاكرة العربية لا تتكئ الا على الماضي وغيبياته وأفكار المشعوذين فيه، وبعض أبيات الشعر في الفخر او الهجاء، ونصوص تراثية هي لزوم ما لا يلزم، ولذا فان العقل العربي الآن يبدو في قطيعة كاملة عن تحديات الحاضر، اما عن المستقبل وأهدافه فذلك شأن آخر لا علاقة لنا فيه، ذلك ان مجتمعنا اليوم هو أسير التخلف وما ينتجه هذا التخلف من حروب أهلية وقبلية واثنية وطائفية، وهو الى ذلك أسير الجهل والأمية حتى لنكاد نحتل الصفوف الاولى في هذا التصنيف في العالم، أضف الى ذلك سوء إدارتنا للانتاج او للتنمية، ومع هذا كله، وربما قبل هذا كله، ما أنتجناه من أنظمة حكم وحكام منهم من اصطاد الحكم بالوراثة او بالدبابات، وصادروا مواقع القرار بالتسلط الى أجل غير معلوم، وفي حين كان المطلوب من العقل العربي ان يواجه وينبه فقد بدا ان هذا العقل محاصر في ركنين، أصولية تذهب الى الغيبيات تحاكم خصومها بحدي الدين او السكين، وأنظمة تحاصر معارضيه بالاحكام العرفية، وهكذا صارت المشكلة مشكلتين أمام تجديد الحياة العربية وأمام العقل العربي الذي ظل قاصرا عن استيعاب هذا العصر فلسفة رقي ومعلومات، واعلاما يتواصل ويتصل مع مجتمعه، يتلقى ويبلغ حيث تدعو الحاجة، لذلك ومع ذلك فقد حدث في التاريخ المعاصر حالات نهضت فيها الأمة لتغيير واقعها، قاومت الاستعمار في هذا القطر او ذاك وانتزعت الاستقلال وواجهت أعظم هجمة استعمارية بعد الحرب العالمية الثانية تمثلت في اقامة دولة اسرائيل، وما زالت تواجه هذا الاحتلال بأشكال شتى، وأقامت دولة للوحدة بين مصر وسوريا بدت في حينها بأنها دولة الوعد بالتقدم وامتلاك القوة، ومع ذلك فان كل الانتفاضات المشروعة لم تستطع ان تواجه القوى المضادة لها ولم تستطع المحافظة على إنجاز الخطوات التدريجية والمتراكمة لإرساء علاقات صحية بين شعوب هذه المنطقة وأنظمتها، بل الذي حصل هو العكس تماما، فقد سقطت جميع الأقطار العربية في قبضة التخلف والعسكر، وفشل أول مشروع وحدوي عربي، اما الحديث عن اسرائيل فهو واضح ومسموع، فقد حاولنا ان نقاوم التخلف بالعنف، ولعل هذه المحاولة اذا كانت مبررة في وقت ما، فهي مميتة في وقت آخر، خصوصا اذا استعملنا العنف وأساليب البطش والارهاب في التعامل مع شعوبنا، ذلك ان المطلوب ان تتمتع تلك الشعوب بحريتها، بحقها في تنظيم أحزابها والانتساب اليها، بحرية القول والعمل، وهو نص موجود في كل دستور عربي ومشطوب ايضا من كل دستور عربي، وأعتقد انه بمثل هذه الحالة كان هناك تواطؤ ما حصل بدون اتفاق أغلب الظن ولكنه ادى الى نفس النتائج بكل تأكيد، ولقد تمثل ذلك التواطؤ بين العقل العربي الجامد والمتخلف وبين الحاكم العربي المتسلط والمتطلب، وعلى هذا فان العقل العربي الذي كان عليه ان يحلل الواقع وان ينتج أفكارا جديدة وخلاقة استقال من دوره تماما وأصبح داعية لهذا النظام او ذاك، يبرر ويبخر، ومع ان القيم هي نفسها، لكن تلك القيم استخدمت بمعان وغايات متباينة ولم يستطع ذلك العقل سوى ان ينتج مقولات غائبة عن الوعي، وهي مقولات رسخت التخلف وعممته وألغت التقدم لحساب التخلف نفسه، وهكذا وجد العقل العربي أمام حالة من حالتين: إما وعي أسباب التخلف وهو ما يرفد في خانة المستقبل، وإما تخلف الوعي وهو ما ينتجه حاضر هذه الأمة على كل صعيد، لقد وقعنا في الاشكال الذي هو مطب اجتماعي واقتصادي وسياسي في آن، وهي وقائع تدل وتؤشر على مأزق العقل العربي، فعندما يكون عقل النخب العربية غير قادر على ممارسة دوره في رسم إشارات التقدم، بل وممنوع عليه ان يمارس هذا الدور، فلا بد ان العالم العربي لسنوات كثيرة قادمة سوف يعرف الكثير من الفتن الاهلية والطائفية ناهيك بالردة الدائمة نحو السلفية بحثا عن حل مستحيل في نفق المأزق ذاته، ومع ذلك فقد تمت عدة محاولات لنقد العقل العربي وهي محاولات حددت منهجية جديدة نقدية ومتطورة تمثلت في نقد التحليلات السابقة بما فيها أهداف مستحيلة لمرحلة الخمسينات مع كل ما كانت تمتلئ به من محاولات للتقدم، ثم جددت تلك المحاولات اسلوبا جديدا وعمليا وعلميا للتعامل مع الاحداث وقرائتها، يدل عليها ما كتبه محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي ومحمد أركون وسواهم، وهي محاولات علينا ان نلاقيها في منتصف الطريق حتى نقرر في نفس الوقت عندما نطرح السؤال الدائم معرفة ما نريد وكيف نحقق ما نريد، والسبل الى ذلك متوفرة بنسب شتى، بإمكانيات متواضعة ومتوفرة في هذه المؤسسة او تلك، والمطلوب عقول شجاعة تمتلك الرؤية والحس التاريخي لكي تتقدم بنا خطوات الى الأمام، وأيضا حاكم شجاع يمتلك حسا تاريخيا بتحديات المستقبل الذي يواجه أمتنا، قادر ان يطلق العقل العربي من أسره، بحثا ونقاشا وحوارا يفتح أمام الأمة الأبواب المغلقة ويكسر حاجز الخوف والتردد.